|
رمضان بقلم سيد علي الطماوي
(1)جاء الشيخ الكبير يتهادى في مشيته.. يتثاقل في خطوه.. يدب على الأرض دبيبا.. يحمل فوق ظهره جوالا ممتلئا ينوء بحمله الرجال الأشداء.
كاد ظهره أن يلتصق بالأرض.. وكادت ساقاه تغوصان في التراب.. أمسك الجوال بيد وطرق الباب بيده الأخرى.. انطلقت طرقات الباب تتهادى في مشيها وتتثاقل في سيرها تشبه صاحبها.. اصطدمت في عمود البيت فسقطت فخفت صوتها.. ثم نهضت وانطلقت حتى بلغت أذن العجوز القابعة في حجرتها النائية في آخر ركن من أركان البيت.
طرقت الطرقات أذن العجوز فتسلل الصوت داخل دهاليز الأذن الملتوية.. والتي زادتها السنون الطويلة التواءً.
أحست العجوز أن زوجها يطرق الباب.. لملمت ثيابها.. وجمعت نفسها.. وضمت ساقيها إلى ركبتيها.. وضغطت بكفيها على عصاها الغليظة.. واستعانت بمولاها وقالت:
يا كريم يا حليم
وانطلقت تهرول ناحية الباب فمن يراها لا يدري أتهرول إلى الأمام أم إلى الخلف.. أتمشي يمنة أم يسرة.
وبعد حين ومين.. وشد وجذب.. وصلت العجوز إلى الباب.. وجذبت ترباس الباب المتآكل من الصدأ.. وفتحت الباب بعد عناء.. فوجدت زوجها في آخر رمق تحت الجوال ولسانه يخرج من فمه وهو يلهث.. وأمعاؤه تكاد تندلق منه وهو يصرخ بصوت مكتوم والجوال ما زال فوقه:
ادفعي الجوال يا ولية كدت أموت
صرخت العجوز وأخذت تدفع الجوال عن بعلها بكل قوتها وزوجها الشيخ الكبير يتململ ويرفع ظهره ويخفضه عسى الغمة أن تنزاح..
أخذ نفسا ً عميقا ً وحبسه في صدره.. ثم شد من عظامه واستجمع كل قوته.. وسحب جسده من تحت الجوال.. ثم استلقى على ظهره وهو يقول:
لا إله إلا الله إن للموت لسكرات
نهض العجوز بعد طول رقاد.. وقال لزوجه:
خذي هذا الجوال بما فيه وادخريه لرمضان
(2)
وفى اليوم التالي ازدادت طرقات الباب وعلا صوتها على غير العادة وانطلقت الطرقات تهرول إلى أذن العجوز تخبرها بمجيء زوجها فانتفضت قائمة.. وهرولت تجاه الباب بسرعة خشية أن يكون الجوال أثقل من المرة السابقة فيضيع منها زوجها الذي ليس لها في الحياة غيره أخذت تركض ناحية الباب وهي تقول:
ها أنا ذا أقبلت لا تقلق.. على رسلك
وبسرعة فتحت الباب فإذا بشبح يسد الأفق غير زوجها الضامر يقف أمام الباب يكاد يحجب الرؤية بالكلية وقال بصوت أجش:
الرجل موجود
قطبت العجوز جبينها ووضعت يدها فوق حاجبيها وكأنها تستطلع الهلال وقالت:
من أنت وماذا تريد؟
أعاد السؤال مرة ثانية:
الرجل موجود
أجابت العجوز بصوت خفيض:
لا .. لا سيأتي بعد قليل.
استدار الرجل وهم بالانصراف فنادته قائلة:
من أنت وهل تريد شيئا ً ؟
أدار الرجل الكبير سنا ً عنقه إليها وقال:
أخبري زوجك أن صديق عمرك وحبيبك رمضان جاء يسأل عليك.. وهو في أشد الشوق إلى رؤيتك.
فرحت العجوز أشد الفرح وقالت:
بالله عليك أنت رمضان
قال:
نعم.. بالله أنا رمضان.. ماذا تريدين؟
قالت العجوز والفرحة قد غمرتها:
بالله عليك انتظر.. انتظر.
وانطلقت العجوز إلى حجرتها وأخذت تجرجر الجوال خلفها.. وقد أوتيت قوة عشرة رجال وهي تجر الجوال بما فيه ودفعته إلى العجوز وقالت:
خذ هذا الجوال وتوكل على الله لقد أحضره صاحبك بالأمس وقال:ادخري هذا لرمضان
تبسم الرجل وحمل الجوال على ظهره وانطلق وهو يقول:
بلغي صاحبي مني السلام
(3)
جاء المساء وجاء الزوج واستقبلته زوجه بكل ترحاب.. وقبل أن يلتقط أنفاسه أبلغته سلام صاحبه رمضان.. وأخبرته أنها دفعت إليه الجوال الذي ادخره له.. وأنه فرح به كثيرا ً.. وأنه يقرؤه منه السلام.
رفع العجوز حاجبيه وقطب عن جبينه وقال:
ماذا ؟ ماذا ؟.. أعطيتيه لصاحبي رمضان
قالت:
نعم.. ألم تدخره أنت له.. وقلت بعظمة لسانك: ادخري هذا لرمضان
شعر العجوز بدوار في رأسه وكاد أن يسقط على الأرض.. لكنه تماسك وهرش بيده في رأسه وقبض بيده على لحيته البيضاء وقال:
الحمد لله.. لن يضيع شيء عند رمضان
تمت
| الإسم | بخيت خليفة |
| عنوان التعليق | عم عيد |
| هذه الاسرة الطيبة جائها رمضان فاخذ تحويشة العام ،أخشى أن يطرق بابها عم عيد فيأخذ تحويشة العمر |
عودة الى قصة قصيرة
|