|
- سلسلة تنويعات كروية.. وهموم الأمة.. -
(4) هجمات مرتدة...
أرأيت لو أن قوماً ضلوا فى صحراء شاسعة فهم يخبطون فيها على غير هدى، وقد اشتعلت الأرض من حولهم نيراناً وجفت حلوقهم وخفتت فى مسامعهم أصوات الدنيا..
أرأيت لو أن نفراً منهم ملكوا خريطة للطريق أرأيت لو أنهم رأوا أثار بئر بعيدة فنهم يستحثون خطاهم نحوها والخريطة تأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم..
أرأيت حال من يجهل موقع الآبار ولا يدرى عن الخرائط شيئاً كيف يكون.. أن أحاسيس الهلكة تسرع إ ليه فلا هو يطمع فى نجاة ولا يأمن مغبة التيه.
لا ريب أن من رأوا أثار البئر يرتوون وهم بعد لم يبلغوا موضعه لما في نفوسهم من تولد يقين ورسوخ ثقة..
ولا ريب أن من ملكوا الخريطة سيبلغون أول الطريق لما علموه من أحوال الصحراء وطبائعها..
ولا شك أن الهلكى إنما يهلكهم ضعف اليقين وقلة العلم ولو أنهم رأو البئر لاحتملوا الظمأ ولو أنهم ملكوا الخريطة لوثقوا من بلوغ غايتهم..
ولقد كان المحيق بنا من مكر عظيم فأعداء الإسلام أطفئوا السراج ولوثوا البئر، وعمُّوا الطريق وحسبوا أننا هالكون، تآمروا على العقيدة والأخلاق فشككوا في عصمة الأنبياء وأخلاق الصحابة وطعنوا في شمولية الدين، وزعموا أن الحق والباطل ملتبسان..
تآمروا على اللغة العربية، وأخلاق المرأة والناشئة، شوهوا التعليم والإعلام، تآمروا على الصحة والزراعة وحتى الماء والهواء ولكن الله سلم..
فمن قلب الاختلاط والتبرج نبت الخمار والنقاب فعرفت فتاة الجامعة النقاب بعدما غرروا بأمها قليلة التعليم فجردوها من برقعها.. ومن قلب المجون والمخدرات بزغت شموس الهداية.. ورغم طبقات الخنوع والاستسلام شبت نار الجهاد والغيرة..
لم يعد العدو يطمع أن يجد في بغداد استسلام الأولين أمام هجمات التتار، وخشي الصليبيون في كوسوفو وثبة الجهاد التي رأوها في البوسنة حتى قال "رادفان كاراديتش" (فليأت الفرسان العرب فينقذوا المسلمين فى كوسوفو).. وكأني بالله سبحانه قد أمر نار الفتنة والإغواء فقال.. (يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً)..
فإذا شعب البوسنة الذي كان غاية علمه بالإسلام كلمة.. (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، إذا بهم يعرفون في رجالهم الجهاد وتتجمل نساؤهم بالخمار وإذا المساجد المهجورة تعمر بالمصلين من جديد..
وإذا قضية النقاب والخمار التي قضوا عليها في القاهرة والأستانة تنتقل عندهم في باريس ولندن وكوبنهاجن..
قبل مائة عام خدعوا نساء المسلمين في بلادنا و اليوم يتظاهر نساؤنا في عواصمهم تمسكاً بالحجاب..
أليست هذه أشبه بالهجمات المرتدة، التي يشنها فريق ضُيق عليه في نصف ملعبه فإذا به من تمريرة واحدة يصيب خصمه بهدف قاتل، أليس تكوين تنظيمات إسلامية في عواصم الغرب دليلا على أن (اللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)..
ألا فلتكن هذه الهجمة نقطة بدء في وعى جديد..
نقطة بدء ترسم خطاً طويلا مستقيماً يرتفع به لواء الإسلام.. نقطة بدء في حركة دءوبة لا تنتهي حتى نفتح روما كما وعدنا رسولنا صلى الله عليه وسلم..
إنها أشبه ما تكون بمباراة في المصارعة كال أحد الخصمين للآخر ضربات متتالية حتى أسقطه أرضاً وأسال دمه وأوقف حركته فلما أيقن أنه غالب وجد نفسه أمام هجمة مباغتة ممن ظنه في الرمق الأخير..
واذا ما رأيتهم في هجمة الغرب اليوم، فاعلموا أن لهم هجمة سبقت كانت أشد شراسة وأكثر عنفاً، اليوم يهاجمون دولة أو دولتين.. فإذا شباب الأمة كلها يقاومهم، وكانوا من قبل هاجموا كل بلادنا فما وجدوا مقاومة تذكر..
اليوم للإسلام صوت في بلادهم وفي الهجمة السابقة لم نسمع للإسلام صوتا في بلادنا، إنما كان القول قول الوطنية والاشتراكية..
اليوم نسمع منادياً بالخلافة وبالحجاب في قلب أوربا وبالأمس لم نجد متنكراً إذ اغتالوا الخلافة، وهتكوا الحجاب في قلب عواصمنا.. في الأستانة والقاهرة وغيرهما..
اليوم لا تجد مخدوعاً في مبادئ أمريكا وحضارتها وقد سقطت عنها ورقة التوت وبالأمس كان الرقي والتمدين سمة ألصقت بالغرب من كل جانب وانتزعت من بلادنا على كل رواية.. فما أبعد اليوم عن البارحة!!
فما الذي تعنيه الهجمات المرتدة إذاً؟
· تعني أن يتجاوز طموحك مجرد التعادل السلبي أو نشدان النجاة إلى الحرص على تحقيق النصر، والتطلع إلى نشر الإسلام في قلب أوربا..
· تعني أن يتماسك دفاعك بقوام من الثقة بالله والثقة أيضاً بالنفس وبالإسلام الذى تمثله..
· تعني أن يشمل تخطيطك تكتيكات متعددة تستهدف النقلة التي تحرز منها هدفاً مباغتاً وتسعى للتقريب ما بين خطوط الفريق..
· وأخيراً.. تعني أن تعرف أن خصمك ضعيف وإن ركب الأباتش، وأنشأ قناة الحرة، ضعيف وإن حزب الأحزاب وجمع الجموع ضعيف.. لأن الله يقول:
(لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ)
ويقول لكم:
(أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
عودة الى قضايا معاصرة
|