|
نقوش قديمة على جدران زنزانة .. البدايات وأحداث السور ـ 1ـ عاشها/ إسماعيل أحمد
يريد أن يعرفني.. يتلمس واقعي وماضيّ من مصادري أنا.. يقول:
سئمت التضارب المروي عنكم عبر الصفحات الصفراء القديمة.. البعض يصفكم بالإرهاب ويدعو لاجتثاثكم من الأرض.. والبعض يفاخر بصبركم وثباتكم والبعض يحكي عن قتال ضارٍ وقتلى.
فهلا عرفتني ما هي الجماعة الإسلامية؟
وكيف بدأت دعوتها ؟
وكيف انتهت للاعتقال الطويل؟
ووجدت نفسي أدقق في نقوش قديمة وحروف تآكلت على جدران الذاكرة لأعيد طرح مأساتي.. لا .. بل مفخرتي التي أظل العمر أشرف بما قدمته من خلالها.
ولست حين أحكي ما التصق بذاكرتي فاعلا ً حرك الأحداث ويريد أن يجمل ملامحه في أعين الصغار.. بل أحكيها كواحد سار في كوكبة صاخبة مشوار حياة.. ليس على دفة القيادة ولكن قريبا منها أسمع وأرى.
لكنني أصر على ربط نقوش وحروف قديمة بأحداثٍ حية جسدت لغة عصرنا هذا وأثرت فيه.
ليس على صفحة في الفيس بوك تركت انطباعاتي.. بل على جدار الذاكرة وتلافيف المخ.
وها أنا أنقل ما أسعفتني به الذاكرة.. وحين تتأمل المشهد ينبغي أن تستبعد ما غير موازين القوى في زماننا هذا ولم يكن معروفا في أيامنا.. إذ لم يكن في زماننا ثمة وسيلة لتناقل المعلومات مما تعارف الناس عليه اليوم.. ولم يكن من السهل أن يعرفنا الناس على الحقيقة التي نحياها.
بل على حسب ما ينسج لنا الإعلام من تفاصيل.. وكان الإعلام بيد الدولة تقبض عليه وتسخره لنشر ما تريده.
وكان بوسعك أن تصرخ كما تشاء في ميكروفون أحد المساجد أو في مؤتمر أو مسيرة أو مظاهرة دون أن يسمع بك أحد.. إلا من يجرؤ على اقتحام الجند المحشود حول مساجدنا والاستماع لنا.. وكان الفيس بوك في زماننا مجلات الحائط واللافتات المعلقة.
أتذكر كلمات قرأتها في مدخل الجامعة وعلى أبواب المدينة الجامعية - وكان للكتب والصحف نضارتها.. فالمصادر في زماننا ثابتة واضحة حين نقرأ كلمة تفترض صحتها وتتلمس مصادرها.. أما اليوم... !!
كان أول ما حرك مشاعري واجتذبني للجماعة الإسلامية تلك المعلقات على الجدران .. والأبواب ترحب بك طالبا ً جديدا ً وتعدك بالتفوق:
"عرفناك غزير الدمع نقي القلب.. إذا رغبت في صلاة الفجر فتفضل بكتابة اسمك ورقم غرفتك في هذه القائمة.."
ويبدأ الإخوة في إيقاظي لصلاة الفجر وكنت وقتها ثقيل النوم بصورة مزعجة ووجدته يحادثني ويسألني عمن يسكن معي .. فقلت له: إنني وحدي.
فقال: ادع الله أن أكون معك في الغرفة لأنني انتظر تسكيني.. ثم قال: قم .
قلت إلى أين؟!
فقال: يخرب بيتك أنت لسه ما صحيتش.
كان هذا فقيد الجماعة الإسلامية د/ علاء محيي الدين في مبنى هـ سنة 1980 وما كنت أعرفه قبلها.. وذات يوم بعدما استلمت الصينية المخصصة لطعامي في المدينة وأتجه لمكان خالي وجدت من يلمس كتفي ويقول لي: تعال معي.. ثم يرجع بي للعامل ويطلب منه أن يضع لي الكمية المضبوطة من حقي في الأرز دون أن يعرفني ولا أعرفه.
وحين وجدت صيام الاثنين والخميس مدعوما ً ومخدوما ً من الإخوة ومذكرة الامتحانات تقدمها الجماعة الإسلامية والكتيبات الرقيقة التي تهز القلب هزا رفيقا ً فتوقظه .. دروس أحكام التلاوة في مصلى المبنى.. العطور النفاذة المنبعثة هنا وهناك ورائحة البخور التي تخرج عليك من بعض الغرف.
كلها جزيئات صغيرة اجتمعت في قلبي الغض لتشده بلا هوادة نحو الجماعة الإسلامية بلا مقاومة تذكر حتى كان ذلك اليوم.
كنت أصطحب أحد زملائي الذين لم يلتحقوا بالمدينة الجامعية بعد وكنا في مبنى ب .. وحين سمعت الأذان صعدت لأصلي وهالني أن أرى أما كل شباك من شبابيك المبنى كومين من الزلط.. وإخوة متجهمين يرمقون الخارج بنظرة صارمة وصلينا الظهر ورجعت لصاحبي.. وحين اقترب موعد محاضراتنا وكان يبدأ في الثانية فوجئنا بمعركة رهيبة بين قوات الأمن المركزي المصطفة أمام بوابات المباني والطلاب الملتحين المتحصنين بالمبنى ب.
وسرعان ما تقهقرت القوات حتى خرجت من النفق الصغير.. ثم توالت قذائف القنابل المسيلة للدموع وكان أول عهدي بها.. فما أشعر إلا والعينين أغلقتا والأنف سال وبدأنا فرارا ً جماعيا ً من مباني المدينة بعيدا عن الجامعة وكان يوما ً مشهودا ً.
ورحنا نتساءل: ما الخبر؟
ففهمنا أن المباني التي كانت متصلة ببعضها سيفصل بينها سور مكهرب ليحول دون انتقال الطلاب – طبعا من دعاة وأبناء الجماعة الإسلامية- بين مباني المدينة.. وقررت الجماعة منع بناء هذا السور وكانت المعركة التي شهدت بدايتها في مبنى ب واكتملت فصولها أمانا في مبنى هـ .. وكل المباني تقريبا ً .
فالطلاب بأيديهم المجردة ينتزعون أسوار الحديد من قواعدها بيسر في مشهد لم أر مثله.. وتفر قيادات المدينة ويخرج الطلاب خطابات التوصية من الكبراء لطلاب دخلوا المدينة بدون وجه حق ونقضي الليلة تحت قيادة الجماعة التي توزع لنا العشاء بطريقة مختلفة.. وينعقد مؤتمر طلابي بين مباني المدينة، لحث الطلاب على الصمود.
لكن في الصباح أغلقت المدينة وانقطع عنها التيار الكهربائي.. وكان أسعد خبر أن نرجع لبلادنا في أجازة مفتوحة وبعد ثلاثة أسابيع فقط في الجامعة وجدنا أنفسنا مطرودين من المدينة الجامعية والجامعة ومشحونين في قطارات مزدحمة لبلادنا من جديد.
وحين رجعنا أعيد تسكين المدينة الجامعية بطلبات جديدة وارتفع الرسم جنيها لتعويض السور المكسور طوال العامين التاليين.
" بداية عنيفة" ستقول لي بحق وستعجب مني قائلاً:
وما الذي أبقاك في هذه الجماعة بعد المعركة التي افتتحت بها عامك الدراسي؟
أقول لك إنها فلسفة زمن طويل من الاستشعار بالقهر عشنا أضعافه في زمن مبارك.. لكن أن تجد من يقاوم في زمن الرضوخ كانت موجة جديدة حفزتها طبيعة الشباب.
وحرم الدكتور علاء محيي الدين من المدينة وعشرات الطلاب غيره ووجدنا أنفسنا فجأة في موضع من يمكنه أن يستمر في طريق بدت خطورته أو أن يتراجع موثرا ً السلامة.
يتبع إن شاء الله
| الإسم | احمد غلاب ابوطارف الدوحة 0097466506534 |
| عنوان التعليق | الله الله الله الله الله الله |
| ما اجمل كلماتك وما اروع وصفك وما اصدق مشاعرك وما اعمق معانيك وما احلى صورك وتصورك وتصويرك فانا اشاهد لا اقرا واشعر لا اسمع فانا اكاد اغلق عينى عن قراة الكلمات لاارى مشهدا وصورا تتحرك واستشعر عبق الكلمات واشم عطر نسيمها الفياح ويلهج لانى بكلمه واحده تتردد الله الله الله الله الله الله سبحان ملك الملوك الذى ميزنا نحن بنى البشر بالحس المرهف العالى لمعانى الوفاء والتغنى بالذكريات والغوص فى اعماق الماضى لنعيش لحظات من ايام ولت ومضت وحملت لنا بين ثنايا ليلها ونهارها اجمل الذكريات فحيكم الله وكل عام وكل يوم وكل لحظه وانت وانتم وجميعنا بخير وصحه وعاده وسرور وفعلا الله الله الله |
| الإسم | احمدعبده سليم |
| عنوان التعليق | زماناكنافيه سعداء |
| جاءفى الاثرنصرنى الشباب وخذلنى الشيوخ اماترى معى انه كماقيل الاولادمجبنة مبخلة وان ماندعيه من حكمة ربماكانت شيخوخة مبكرة واننانحتاج الى حماسة الشباب ولقدذكرتنى بايام حرب الابواق وكنانحن الوقود ولكنناكناسعداء بل ننتقدمن ينصحنابالتريث والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ولكل منا شرة وفترة نسال الله ان يلهمنا رشدناويعيذنامن شرورانفسناوجزاكم الله خيرا |
| الإسم | رضا عبدالحميد جادالرب |
| عنوان التعليق | ليتها تعود |
| ذكّرني مقالك ياشيخ إسماعيل بالأيام الجميلة التي ما زال شذاها يفوح كنا هذه الأيام سعداء برغم المطاردات والقلق لكن الحب في الله ولله كان يهون كل هذه المصاعب، فليتنا نعود إلى نشاطنا ودعوتنا بنفس الروح القديمة، حيث أكرمنا الله وأزاح عنا الظالمين وصار الطريق مفتوخًا. |
عودة الى المبادرة
|