|
ارتباط الجهاد بما يحققه من مصالح وما يدرؤه من مفاسد. شرع الله الجهاد كوسيلة لتحقيق مصالح الدين والمؤمنين ولقطع الفتنة ودفع ا لظلم ، ورد العدوان ، والحفاظ على استقلال الأوطان ولذلك لا يتصور القيام بالجهاد الذي توفرت أسبابة وشروطه وانتفت موانعه ألا عند إفضائه الى مصلحة من تلك المصالح .
ولذلك فان النبي صلى الله علية وسلم عندما استعصى علية فتح حصن الطائف وزادت الجراحات فى صفوف أصحابة أمرهم بإنهاء الحصار والعودة إلى المدينة ، لان الإقامة على الجهاد دون تحقيق مصلحة تذكر ومع حدوث مفاسد لا تحصى أمر لم تأت به الشريعة .
وهذا المعنى هو الذي فقهه خالد بن الوليد حينما اتخذ قرار الانسحاب بجيش المسلمين من مؤتة عندما وجدا أن الإقامة على الجهاد لا تعنى سوى هلكة الجيش المسلم فى ظل اختلال توازن القوى لصالح جيش الروم ولم يكن انسحابه
من القتال فرارا مذموما كما فهمته العقلية الطفولية لبعض صبيه المدينة حينما استقبلوا الجيش المنسحب بقولهم : الفرار الفرار ، ولكن كان انسحابا محمودا مؤيدا بعقلية النبوة الحكيمة حينما قال لهم رسول الله صلى الله علية وسلم
( بل انتم الكرارون أنا فئة كل مسلم) .ا. هـ رواه أحمد والترمذى
وهذا المنطق النبوي يتمشى مع كون الجهاد وسيلة من الوسائل ، والحكم على الوسيلة تابع لما تقضى إلية من مقاصد ، ( فالوسيلة إلى أفضل المقصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل) على حد تعبير العز
ابن عبد السلام ـ قواعد الاحكام 1/ 54 ـ ولذلك فإننا نجد المحققين من الفقهاء عندما يتحدثون عن حكم الاستمرار فى الجهاد المشروع الذى توفرت أسبابه وشروطه وانتفت موانعه يربطون ذلك بغلبة ظن المجاهدين بالظفر وتحقيق المصلحة من ورائه أما أذا غلب على الظن الهلاك آو الانكسار ووقوع المفاسد فإنهم يوجبون عليهم إنهاء القتال ولنستعرض جانبا من أقوال هؤلاء المحققين
ـ يقول الأمام الكاسانى (فان غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات ، وان كانوا اقل منهم ، وان كان غالب ظنهم أنهم يغلبون ، فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وان كانوا أكثر عددا من الكفرة ، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح أو مع واحد منهم (من الكفرة ) ومعه سلاح، لا باس أن يولى دبره متحيزا إلى فئة ) ا.هـ بدائع الصنائع 9/383
ـ وهذا ما يقرره الإمام الجوينى بشان الخروج على الحكام الظلمة حيث يقول ( إن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته وكثرت عاديته وفشا احتكامه واهتضامه وبدت فضاحته ، و تتابعت عثراته وخيف بسببه ضياع البيضة ، وتبديد دعائم الإسلام ، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة فلا نطلق للآحاد فى أطراف البلاد أن يثوروا , فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيدوا وكان ذلك سببا فى زيادة المحن وإثارة الفتن ) أ .هـ غياث الامم
ــ وقال الدكتور محمد سعيد البوطى ( اجمع جمهور الفقهاء على إن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير اى نكاية في أعدائهم إذا ما اجمعوا قتالهم ؛ ينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس لان المصلحة المقابلة وهى مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع ويقرر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلا إذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما فى الثبوت من فوات النفس ومن شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس فى طيها مصلحة قلت ـ والقائل البوطى ـ وتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط ،أما من حيث حقيقة الامر ومرماه البعيد فإنها تقتضى فى مثل هذه الحالة أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكى يتقدموا ويجاهدوا فى الميادين المفتوحة الأخرى و إلا فان إهلاكهم يعتبر إضرارا بالدين نفسه وفسحا للمجال أمام الكافرين ليفتحوا ما كان مسدودا من السبل )أ.هـ فقه السيرة 77
ــ وأخيرا مع الأمام ابن قدامة الحنبلي : (أذا حاصر الإمام حصنا فان رأى المصلحة فى الانصراف عنه أما لضرر فى الإقامة وأما لليأس منة ، وأما لمصلحة ينتهزها تفوت باقامته ، فينصرف عنة ، لما روى أن النبي صلى الله علية وسلم حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فرجع وتركة) أ .هـ المغنى 10/545
ـ ولعل أقوال الفقهاء السابقة أوضحت ارتباط إنفاذ الجهاد المشروع وجودا وعدما بافضائه للمصالح المقصود تحصيلها من ورائه وهذا الامر يجب مراعاته في كل أنواع القتال سواء كان مع المسلمين كقطاع الطريق أو البغاة أو غير المسلمين
عودة الى الموسوعة الجهادية
|