|
على هامش قضية الزواج الثاني عند الأقباط .. شريعتنا لم تقل: \"فاحكم بينهم بما يدينون\" بقلم الشيخ / عبد الآخر حماد
لم يكن في النية أن أعلق على الضجة المثارة بشأن مشكلة الزواج الثاني عند الأقباط.. فقد تحدث بشأنها غيري بما أرى أن فيه الكفاية .
لكن دعاني للحديث عنها مقولةُ وجدتها تتكرر على ألسنة ممثلي الكنيسة.. كلما أرادوا أن يثبتوا صحة وجهة نظرهم في رفض حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر.. الذي يلزم الكنيسة بالسماح للمطلقين بالزواج مرة ثانية .
تلك المقولة هي زعمهم أن الشريعة الإسلامية تقول :
"إذا أتاك أهل الذمة فاحكم بينهم بما يدينون"
وقد وردت هذه المقولة على لسان الأنبا شنودة في حوار مع صحيفة الأهرام بتاريخ 4/6 2010م .. حيث قال :
" لذلك أحب أن أقول إن التعليم الإسلامي نفسه يقول " احكم بينهم بما يدينون".. وكثير من المحاكم أعلنت هذا الأمر في حكمها.. إذا أتاك أهل الذمة فاحكم بينهم بما يدينون على أنه نص في الشرع الإسلامي" .
وكذلك وردت نفس المقولة على لسان الأنبا بيشوي في حواره مع جريدة المصري اليوم بتاريخ 14/6/2010م .
ثم شاهدت حواراً بين جماعة من مفكري الأقباط على قناة المحور بتاريخ 16/6/2010م .. ما بين معارض لموقف الكنيسة .. ومؤيد لها .. فرأيت العبارة تتكرر أيضاً وكأنها نص محفوظ لا مجال لإنكاره أو التشكيك فيه .
من أجل هذا رأيت لزاماً عليَّ أن أكتب هذه السطور .. منبهاً ومبيناً أنه لا صحة إطلاقاً لتلك المقولة.. وأنه لا أصل لها في شريعة الإسلام.
إذ لا يمكن لشريعة الحق أن تأمر أهلها بأن يحكموا بين الناس مسلمين أو غير مسلمين إلا بالحق.. وهو كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) .
وإني لأسأل أولئك القوم في أي موضع من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).. أو حتى من كتب الفقه الإسلامي وجدتم هذه المقولة ؟
إن الله تعالى يقول لنبيه (صلى الله عليه وسلم) في شأن اليهود:
" سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " المائدة: 42.
فالآية الكريمة تخير النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا ما جاءه أهل الكتاب طالبين الحكم بينهم - بين أمرين:-
الأول:- الإعراض عنهم.. وعدم الحكم بينهم.
والثاني:- أن يحكم بينهم.. لكنها تأمره إن اختار الأمر الثاني أن يحكم بينهم بالقسط .. والقسط هو حكم الله الذي أنزل على نبيه (صلى الله عليه وسلم) كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله في الأم (7/45).
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن التخيير بين الإعراض والحكم بينهم منسوخ بقوله تعالى:
"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ " المائدة : 49
وأنه يلزم الحكم بينهم ما داموا قد ترافعوا إلينا.
وذهب بعضهم إلى بقاء التخيير .. لكن لا خلاف في أنه يلزم عند الحكم بينهم أن نحكم بينهم بشرع الله لا بما يدينون به من شرع مبدل أو منسوخ .
قال الإمام الشافعي في الأم (7/44):
" وإن تداعوا إلى حكامنا فجاء المتنازعون معاً متراضين .. فالحاكم بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم.. وأَحبُّ إلينا أن لا يحكم.. فإن أراد الحكم بينهم قال لهم قبل أن ينظر فيه: إني إنما أحكم بينكم بحكمي بين المسلمين.. ولا أجيز بينكم إلا شهادة العدول المسلمين.. وأحرم بينكم ما يحرم في الإسلام من الربا وثمن الخمر والخنزير.. وإذا حكمت في الجنايات حكمت بها على عواقلكم.. وإذا كانت جناية تكون على العاقلة لم يحكم بها إلا برضا العاقلة.. فإن رضوا بهذا حكم به إن شاء.. وإن لم يرضوا لم يحكم .. فإن رضي بعضهم وامتنع بعض من الرضا لم يحكم".
وقال الإمام ابن القيم في أحكام أهل الذمة(2/407) :
فصل في ضابط ما يصح من أنكحنهم وما لا يصح :
" إذا ارتفعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد لم نزوجهم إلا بشرط الإسلام لقوله عز وجل : " وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ " وقوله: " وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ".
وإن أسلموا وترافعوا إلينا بعد العقد .. لم ننظر إلى الحال التي وقع العقد عليها ولم نسألهم عنها"
وعلى هذا استقر أمر المسيحيين في مصر من قديم.. حتى إنهم في قضايا المواريث يُحكم بينهم بموجب شريعة الإسلام مع وجود نصوص في عهدهم القديم تتحدث عن المواريث وكيفية تقسيمها.
ففي سفر العدد (27/ 8-11): تُكلِّم بني إسرائيل قائلاً :
"أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته.. وإن لم تكن له ابنة تعطوا ملكه لإخوته.. وإن لم يكن له إخوة تعطوا ملكه لإخوة أبيه.. وإن لم يكن لأبيه إخوة تعطوا ملكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه.. فصارت لبني إسرائيل فريضةَ قضاء كما أمر الرب موسى".
ومعنى ذلك أنه إذا كان للمتوفى أبناء ذكور فإنهم يرثون التركة كلها ويحجبون من عداهم.. فإن لم يوجد ذكور تؤول التركة للبنات.. فإن لم يوجد للميت بنات فالتركة لإخوة الميت .. فإن لم يوجد إخوة فللأعمام ثم للأقرب من عشيرة المتوفى .
ونحن نعلم أن النصارى يؤمنون بأسفار العهد القديم كإيمانهم بأسفار العهد الجديد.. ويعتقدون أن المسيح عليه السلام قال لهم :
"لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" [إنجيل متى : 5/17]
وعلى ذلك فهم بحسب معتقدهم مطالبون بما في العهد القديم من أحكام ما لم يأت في أناجيلهم ما ينسخها.
وليس في الأناجيل نسخ لما جاء في سفر العدد من أحكام المواريث.. ومع ذلك نجدهم يحتكمون للشريعة الإسلامية في المواريث ويتركون ذلك النص الموجود في العهد القديم.
حتى إنه لما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر.. أنشأ الفرنسيون ديواناً سمي بمحكمة القضايا فوضوا إليه - كما يقول الجبرتي - القضايا في أمور التجار والعامة والمواريث والدعاوى.. وكان من أعضاء ذلك الديوان ستة من التجار المسلمين وستة من القبط .
وقد أراد رئيس ذلك الديوان استمالة من حضر من النصارى إلى قوانين الفرنسيين في المواريث.. فذكر لهم ما يراه من محاسن نظام المواريث المتبع عندهم في بلاد الإفرنج من قبيل أنهم لا يورثون الولد ويورثون البنت.. لأن الولد أقدر على التكسب من البنت.. لكن رد الحضور من النصارى كان حاسماً.. حيث قال له عضوٌ بذلك الديوان يدعى ميخائيل كحيل الشامي :
" نحن والقبط يقسم لنا مواريثنا المسلمون".. كذا ذكر الجبرتي في حوادث سنة 1213 من تاريخه .
هكذا كان شأن القبط في قضايا المواريث .. ولا يزال أمر تقسيم مواريثهم إلى الآن يتم وفق الشريعة الإسلامية.. إذا رفع الأمر إلى القضاء .
وإن كنت قد قرأت مؤخراً أن بعض القساوسة يعترض على ذلك .. وأن الأنبا شنودة قد دعا الأقباط إلى تقسيم التركات بينهم ودياً.. وعدم اللجوء إلى القضاء في قضايا المواريث.. أي من أجل عدم الاحتكام إلى شريعة الإسلام.
لكنه لم يجرؤ على المطالبة بتطبيق النص الموجود في سفر العدد لما فيه من ظلم بين.
وعلى كل حال فنحن لا نماري في مراعاة خصوصيات أهل الكتاب في بلاد المسلمين.. وأنه يسمح لهم بتنظيم أمور الزواج والطلاق ونحوها وفق ما يعتقدون.
لكن نرى أن الواجب حينئذ أن تشكل لهم محاكم قضاتها من أهل ملتهم .. تحكم بينهم بحسب ما يعتقدون.. على غرار ما كان في مصر قبل ثورة 1952من المحاكم الملية التي ألغيت مع إلغاء المحاكم الشرعية سنة 1955م.
ولا يصح شرعاً أن يتولى القضاء في تلك المحاكم قضاة مسلمون لما أسلفناه من أنه لا يجوز لقاض مسلم أن يحكم بغير شريعة الإسلام.. لا بين المسلمين ولا بين غير المسلمين.
والله تعالى هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
الأربعاء الموافق
11-7-1431هـ
23-6-2010م
عودة الى الأحكام
|